ساسي سالم الحاج
52
نقد الخطاب الاستشراقي
مسلم والبخاري . وألف هذا الراهب الدومنيكاني كتاب « خنجر الإيمان » يردّ فيه على المسلمين واليهود ، واعتمد فيه على حجج علماء المسلمين خاصة الإمام الغزالي وغيره ممن تصدوا لمجادلة المشائين . وقد شاع هذا الكتاب ، وظلّ طوال قرون نموذجا رفيعا للجدل الديني بين فقهاء المسيحيين والإسلام « 1 » . تخرج في الجامعات الأوروبية اللاهوتية العديد من الرهبان المثقفين ، ووقفوا معارفهم وثقافتهم على التبشير ، فانتشروا في بقاع العالم الإسلامي رسلا يبشرون بالديانة المسيحية ، وحاولوا قدر جهدهم استمالة المسلمين إلى عقيدتهم ، غير أن الفشل الذريع كان مآلهم ، والذي يدهش له المرء في هذه الأزمان القديمة نسبيّا تسامح المسلمين مع هؤلاء المبشرين ، وفتح صدورهم لمجادلات فقهية دينية يحاول فيها كل فريق تقديم الحجج والبراهين للدفاع عن معتقداته . ولعلّ من المفيد في هذا السياق الإشارة إلى أعمال القديس « فرنسيس » بما لها من دلالة هامة على تسامح المسلمين ووثوقهم بصحة معتقداتهم ؛ ومنها قدوم هذا الراهب المتعصب مؤسس جماعة الرهبان الفرنسيسكان إلى مصر إبان الحروب الصليبية ، حيث قابل السلطان الملك الكامل محمد ، واستأذنه في أن يبشر جنوده بمحاسن المسيحية ، فأذن له السلطان بكل كياسة ، واستمع إليه في أدب جمّ واحترام كبير . ولم يقم السلطان بمجادلته في الحجج التي أدلى بها هذا القديس ، بل بالغ في إكرامه ، الأمر الذي جعل هذا الراهب يبادل الملك الكامل آيات التقدير والاحترام والإعجاب ، خاصة عندما أذن له في التجول بحرية في معسكر المسلمين ودعوة من يشاء منهم إلى دينه ، وكانت النتيجة فشله الذريع في هذا المضمار ، إذ لم يستجب لدعوته أحد ، فقرر العودة إلى معسكر الصليبيين ، وهناك أخبرهم بتفاصيل مقابلاته ومساعيه التي باءت بالفشل ، ولكنه عاد وقلبه مملوء احتراما وتقديرا للمسلمين بعد أن تبدلت في ذهنه تلك الصورة القاتمة المسبقة التي كان يحملها عنهم . وحاول قدر جهده إثناء الصليبيين عن مواصلة القتال ولكنه فشل أيضا في هذه المهمة ، فرحل عنهم وقفل عائدا إلى بيت المقدس ليؤسس للإخوان الفرانسيسكان نواة أعمالهم في سدانة كنيسة القيامة ببيت المقدس حتى يوم الناس هذا « 2 » .
--> ( 1 ) نجيب العقيقي ، المستشرقون ، المرجع السابق ج 1 ، ص 130 . ( 2 ) أ - محمد مصطفى زيادة ، حملة لويس التاسع على مصر ، بتصرف كبير ، ذكره الدكتور الشيال - المرجع السابق ، ص 84 . ب - محمد فريد وجدي ، دائرة المعارف القرن العشرين ، المجلد الثاني ، ص 206 .